علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

21

نسمات الأسحار

حكى في « روض الأفكار » : أنه كان بطرسوس مغربى يقال له : أبو الحسن وكان يخرج لأجل التطهر فوقع بصره يوما على غلام فأدام نظره إليه فذكر ذلك الغلام لأستاذه . قال : اعرض عليه نفسك حتى يظهر لنا دينه ومنزلته فخرج الغلام في مثل ذلك الوقت ، فإذا هو بأبى الحسن فعرض نفسه عليه ، فذهب إلى داره ، ثم قام المغربي إلى ورده فقضاه ثم أخذ الشمعة وتقدم إلى الغلام ، وجعل يتأمل حسن صورته فطالبته نفسه بالمعصية ، فقال لنفسه : يا نفس هذه النار الصغرى فجربيها إن صبرت عليها تصبرى على النار الكبرى ، ثم أدخل أصبعا من أصابعه في النار فأحرقها إلى كفّه فاشتد ألمه من ذلك فنسى الغلام ، فلما سكن ما به طالبته نفسه بالمعصية ، فقال لنفسه : جربى ! وعاد إلى مثل فعله الأول حتى أحرق أصابعه الخمس ، ونادى المؤذن للصباح فنبّه الغلام وأخرجه من الدار وقام فتوضئ للصلاة فتحدث الغلام بما صنع الرجل فصار له بطرسوس ذكر عظيم . فسبحان من وفقهم للطاعات وعصمهم من الزّلات . وما أحسن القول القائل - من البسيط - : تمضى اللذّاذة ممن نال شهوتها * من الحرام ويبقى الإثم والعارّ تبقى مصائب سوء من مغبتها * لا خير في لذة من بعدها النارّ يا أخي الناقد بصير والحساب تحرير * ألم تعلم بأن الله يرى ذكر القشيري في التحبير : أن بعضهم كان يشترى كل سنة شيئا من الشعير يسيرا بفلوس ، وكان يتقوت به طول السنة فلما مات رفعت جنازته بالغدوة فلم يفرغوا من دفنه قبل العشاء لكثرة الزحام ، فرؤى في المنام فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : غفر لي وأحسن إلى الكثير إلا أنه حاسبنى حتى طالبنى بيوم كنت صائما وكنت قاعدا على حانوت صديق لي حنّاط ، فلما كان وقت الإفطار أخذت حنطة من حانوته فكسرتها نصفين . فتذكرت أنها ليست لي ، فألقيتها على حنطته فأخذ من حسناتي قيمة ما نقص من تلك الحنطة . - بالكسر . فلا حول ولا قوة إلا باللّه إن اللّه لا يظلم مثقال ذرة قال اللّه تعالى : وَلا